ان الهدف من انشاء هذا المنتدى هو الحفاظ على الذاكرة الشعبية لمراكش و التعريف بمآثرها التاريخية و مثقفيها وأعلامها .
 
الرئيسيةبوابة جديدةالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 حوار مع الشاعرة والقاصة سعيدة عفيف

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
said aflafal
مشرف


عدد المساهمات : 205
تاريخ التسجيل : 09/11/2012
العمر : 54

مُساهمةموضوع: حوار مع الشاعرة والقاصة سعيدة عفيف    الإثنين ديسمبر 16, 2013 3:04 pm

أجرت جريدة " نجوم الإبداع " حوارا مطولا مع الشاعرة و القاصة سعيدة عفيف ؛ ولعميم الفائدة نقترحه على زوار المنتدى.




ــ

“مَنْ أكون”:
سعيدة عفيف من مواليد 03 غشت 1967بمدينة مراكش، نشأتُ في بيت أسرة أغلب أفرادها يزاولون التعليم .. اِلتحقت بتعليمي الأولي بمدرسة الإمام السهيلي بسيدي يوسف بن علي، ثم مرحلة التعليم الإعدادي والثانوي بثانوية يوسف بن تاشفين العريقة .. وفتحت عينيّ في بواكير التعليم على خزانة والدي، كما أسلفت، أستمتع بنهل المعرفة من مختلف الكتب المتوفرة بها. من شعرٍ قديمِه وحديثه ونثر : قصص وروايات ودراسات فكرية ونقدية. اِلتحقت بالتعليم العالي بعد حصولي على الباكلوريا سنة 1986 وولجت كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة القاضي عياض بمراكش، شعبة اللغة العربية وآدابها، فانفتحت على عالم معرفي كنت على اطلاع بأغلب مواده، مما جعلني أغير الشعبة في السنة الثانية حيث غيرت شعبة الأدب العربي إلى شعبة اللغة الفرنسية و آدابها مما فسح المجال لملامسة معارف ومناهج مغايرة من خلال الانفتاح على مدارس غربية في الشعر والرواية والنقد. فحصلت على الإجازة سنة 1992 بحمولة ثقافية مزدوجة عربية وفرنسية باعتبار الأولى إحالة على الأدب العربي القديم والحديث، والثانية مرجعية للأدب الغربي، الفرنسي منه خصوصا، بمختلف مدارسه واتجاهاته . وككل من ليس له يد في اختيار ما يزاوله كعمل، اجتزت مباراة و تكونت لمدة سنتين لأزاول مهمتي بالوظيفة العمومية: إطارا في وزارة الداخلية – قسم الجماعات المحلية ، مما جعلني أقرب إلى الناس على اختلاف شرائحهم وأكتسب رؤية في التعبير شعرا وسردا عن معاناة الناس وهمومهم. و سيتسع المجال أثناء الوظيفة إلى التعبير عن هموم وقضايا الأمة العربية.
ــ “سعيدة عفيف الطفلة وفكرة الحضور في مجال الكتابة والإبداع”:
 وأنا طفلة لم يكن لدي أبدا أي تفكير في أنني سأهتم لأمر الكتابة يوما ما، أو أنه ستكون لي كتابات إبداعية في أي جنس من الأجناس الأدبية، الشعرية منها أو السردية، لكنني كنت أحب الكتب وما أقرأه كثيرا، وفي مقابل ذلك، غالبا ما كانت و ما تزال تتملكني أسئلة عن الأسرار التي تحف بالكاتب وكتاباته وأُكبر فيه هذا المجهود النبيل في إيثار خدمة الإنسانية بإمداداته على حساب حياته الشخصية، لكن من غير أن أتخيل نفسي مكان الكاتب أو بمكانة هي مكانته.. و الآن، كذلك، أكتب و كفى، من غير أن أفكر في أن يكون لي اسم أو حضور، وآخر ما قد يكون هما و انشغالا بالنسبة لي أن أفكر بالأضواء وبكل توابعها و ملحقاتها.. أكتب لأنني أكره أن أمضي كما أتيت إلى هذا الوجود، أكتب لأتحقق ذاتيا و أتوازن نفسيا كما أسلفت.
ــ “الكتابة والبداية”:
 الكتابة هواء أتنفسه وأقيم بها توازنا نفسيا وتقابلا ساميا لما نحياه في واقعنا المعيش من رتابة وفظاظة وقسوة، واللائذون بالكتابة يحسون بعمق أثرها على النفوس.. نذهب إليها أحيانا لسبر خفاياها عازمين بكل ما أوتينا على تدليل صعابها والخوض في شعابها المستعصية انطلاقا من ذواتنا ومن استعمال خاص لآلياتها.. وأحيانا أخرى تأتينا الكتابة طوعا وإلهاما لننكتب من خلالها فنكون بها وتكون بنا.. وكانت بداياتي مع الكتابة في سن مبكرة، حيث كان والدي رجل تعليم محب للإطلاع على كل ما يتعلق باللغة العربية وآدابها ومترجماتها، وكان من الطبيعي جدا أن تكون مكتبتنا المنزلية زاخرة بمختلف الكتب في كل المجالات، مما حفزني لقراءة كل ما يتيسر لي حينها..ثم تأتي فترة الكتابات الجنينية التي لا نعيها وبدورها لا تدرك أنها ستكون شيئا، حيث أحسست بالحاجة إلى حمل القلم وكتابة أي شيء وأية خاطرة قد تفرغ شحنة مختزنة من مشاعر وأحاسيس تجاه الناس والحياة والأشياء. شحنة، كان للقراءة الفضل الكبير في تنويعها وإبقاء نبضها على الدوام..
ــ “النشر”: بالنسبة لي لم أجد صعوبة في النشر حتى الآن، لأن إمداداتي الأدبية أنشرها غالبا على الشبكة العنكبوتية بمجلات إلكترونية أدبية ثقافية.. هذه الشبكة التي فتحت لي مجالات واسعة للتواصل والتعرف على أدباء ومفكرين من مختلف البلدان و تنوع المشارب و الاتجاهات وقراءة أهم الإصدارات الأدبية والفكرية في العالم بأسره، وهو أمر جد فعال وإيجابي يرمي إلى عالمية المنتوج الأدبي، وينأى عن مسألة احتكار النشر من طرف فئة معينة.. وفيما يخص النشر الورقي لدي العديد من الكتابات في القصة والشعر ورواية مخطوطة عنوانها “موال أطلسي” تنتظر النشر، لكن ما يحيرني هو عزوف القراء على القراءة والأزمة التي يجتازها النشر بالمغرب. هنا تحضرني قولة أثيرة للأستاذ وعالم الاجتماع المغربي محمد جسوس وهو إنسان متواضع زاهد في النشر : “إنهم يريدون خلق جيل من الضباع “.
ــ “المشهد الثقافي المغربي”:
 يستمد المشهد الثقافي المغربي راهنيته من خلال تراكمات دينامية ثقافية شتى عرفها منذ الاستقلال من خلال ثقافة مؤسساتية مستقلة، في زمن لم يكن يهيمن السياسي الحزبي على الثقافي؛ وعرف الميدان الفكري استقلالية ملحوظة تمثلت آنئذ في مؤسسة عتيدة هي اتحاد كتاب المغرب. لكن هنا والآن فإن راهنية الثقافة بالمغرب تجعلها تتأثر بالمشهد السياسي وتدين له ولا تؤثر فيه، وتجتر نفس القيم والخطابات الإيديولوجية الفاقدة لأسس التواصل مع شرائح واسعة من القراء، دون اعتبار لبعض المظاهر الثقافية الحداثية ذات الهوية المغربية المحضة والتي هُمشت، وتنشط بمعزل عن الدوائر المؤسساتية الرسمية. ولقد راهن المثقف المغربي على التغيير وعلى طي صفحة الماضي المناوئة له ولمنتوجه الفكري. فإعادة الاعتبار لهذا الواقع عبر خلق جمعيات حرة وصالونات ومقاهي ثقافية، لاعتبار بأن الفعل الثقافي ركن ضروري في دينامية التنمية البشرية، وعاملا مهما في تحصين الهوية المغربية من سلاح العولمة الفتاك ومن اختراق المخزن، لكن تجدر الإشارة إلى أن تحقق هذا المشروع الكبير كان جزئيا فقط، بالرغم من بذل مجهود محمود في هذا الإطار.. وفي ظل سياسة تغيب عنها الرؤية الشفافة في تصريف الأمور لانعدام تكافؤ الفرص في النشر و التوزيع الذي أصبح مجهودا ومبادرة ذاتية ومغامرة فردية يخوضها الأديب يدفع فيها من ماله وجهده بمعزل عن أي دعم أو سند معقول.. وتحت إكراهات قهر السنوات الخالية من أجل “التغيير” تغيير الثوابت.. لأن معظم الأقلام المبتدئة تتعرض للحيف والإقصاء الممنهج، وركن منتوجاتها بالرفوف.. وأتذكر بهذا المقام، قولة شيخ القصاصين أحمد بوزفور حين رفض جائزة المغرب: “لا يمكن أن أقبل جائزة وزارة الثقافة عن كتاب طبعت منه ألف نسخة ولم أوزع إلا 500 نسخة في أسواق شعب من 30 مليون نسمة، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على تفشي الأمية والجهل في بلدي”.. إن هذا التصريح الجريء يوضح بأن الوضع السوسيو الثقافي المغربي مقلق بشكل كبير، يكرس من تقهقر معدلات القراءة وبوار سوق الكتاب. فقد أشارت الإحصائيات أن نسبة القرائية لدى المغرب، تعد الأسوأ بين الدول العربية حيث احتل المرتبة ما قبل الأخيرة بنسبة 52 % بعد موريتانيا 51 %، في حين تصل ما فوق 89 % في فلسطين. كما أن عدم تواجد معارض جهوية كبيرة تضاهي في قيمتها المعرض الدولي للكتاب، حد من انتشار الكتاب الذي بقي حبيس جهويته والمجال الذي أنتجه، علاوة على القصور الإعلامي في هذا الباب. الشيء الذي أدى إلى اعتماد النشر الالكتروني بكثرة باعتباره بديلا لتجاوز هذه الأزمة المستفحلة، وعلى أية حال فالشأن الثقافي ببلدنا يسير بخطى وإن كانت بطيئة تجعل منه بحق أرضية خصبة للتغيير وللتفاؤل في وجود أسماء كبيرة ووازنة تشرف الثقافة والفكر المغربي وترفع رايته عاليا بين دول العالم .
ــ “بين الرواية والقصة والقصيدة”:
 بالنسبة لي، لا أفرق بين جنس أدبي على حساب جنس أدبي أو معرفي آخر.. طبيعة تكويني الأكاديمي تغريني بالإطلاع على كل الأجناس الأدبية، الشعرية منها والسردية والفكرية على السواء، لكن على مستوى الشعر والقصة والرواية أجدني أكثر انجذابا.. وليس لي يد في اختيار قوالب فنية أدبية لكتاباتي، ولا أتعمد أن أكتب في أي نوع منها، لأن الموضوع هو من يفرض نفسه ويختار جنسه الأدبي الذي يناسبه، والذي يحب أن ينكتب بواسطته، بل ويتناول من الآليات في نفس النوع الأدبي ما يخدم مراميه وغاياته، تبعا للحالة النفسية وحجم المعاناة الشعرية أو المخاض الذي ينتابني أثناء الكتابة. فأجدني حينها أكتب في القصة أو في الشعر أو في الرواية تبعا للحال.. في البدء تأثرت بشعراء وكتاب حركوا مشاعري وجعلوني أحس بانفعال مبهم وعميق وبنوع من الحيرة الوجودية. ثم جاءت تأثيرات القراأت الجادة والانفتاح على مغذيات فكرية وثقافات كونية وكتاب وشعراء عالميين أثروا رصيدي المعرفي وصححوا مساري الأدبي ولقنوني مبادئ البحث عن مكامن الجمال.. أحيانا أكتب شعرا وأنا أستشعر نوعا من لحظات الانخطاف والتجلي، أجدني مأخوذة بمشاعر مكثفة لدرجة الانخطاف والحلولية، حيث تتحقق نشوة روحية جوانية، وحيث تتصالب جماليات الحلم بحتمية الواقع وحيث يصير جنون الابداع وهيولى الخيال أفضل وأبهى من أي عقلانية وتبصر.. لأن الإبداع يمتلك تلك السلطة العلاجية كما يقول بعض المفكرين. وحينما أغور في عمق الطبيعة الإنسانية ويشدني مشهد أو صورة قد نتوخى منها عبرة ما، ويكون لعنصر الدهشة دور كبير في المتعة من خلال أدب سردي، أكتب قصة، والقصة كما قال يوسف إدريس: “القصة القصيرة رصاصة، تصيب الهدف أسرع من أي رواية”. أما بالنسبة للرواية، أفضل الفنون السردية على وجه الإطلاق، من حيث قدرتها السحرية على اختراق كل العوالم والفضاأت واستيعاب كل الأشكال الأدبية المصنفة وغير المصنفة، وتحقيق المتعة الفنية الكبيرة الطويلة الأمد، فهذا ما كنت على علم به أثناء كتابة روايتي “موال أطلسي”..
ــ “اللغة المحلية”:
 بخصوص استعمالي للغة المحلية أو الكلام الدارج فلا ألجأ إلى ذلك إلا حينما يفرضه تصاعد الأحداث اللصيقة بالواقع وحبكة الرواية و فضاؤها الذي يستسيغ انصهار و اندغام كل وسائل التعبير. وأعتبر أن الكتابة باللغة المحلية أو الدارجة المحلية أو استخدام مفردات من لغات أخرى أمازيغية ،فرنسية، إنجليزية، إسبانية أو غيرها من الكلمات التي يلجأ إليها بعض الكتاب ليست ضرورة.. وليست هجينة ولا تنتقص من عمق العمل الابداعي في نفس الوقت.. لكنها اختيار بلاغي تفرضه ضرورة فنية ملحة من أجل التواصل وهو بالضرورة ليس مستهجنا ولا ضد اللغة أو يحاول نسفها من الداخل كما يرى البعض.. فهناك من يقحم جملا فرنسية أو إنجليزية أو عامية لكنها لا تؤثر بأية حال من الأحوال على النص، فالمفردات الشعبوية كما يحلو لي تسميتها هي بمتابة جسر بين الفصحى والعامية.. وقد شاع استعمال العامية في أزمنة عدة نظرا لضعف اللغة والتكوين لدى البعض، يقول العلامة ابن خلدون مثلا حول شعر الموشحات الذي عرف أهله استعمال لغة ثالثة تمزج جليا بين الفصحى والعامية: “ولما شاع فن التوشيح في أهل الأندلس، وأخذ به الجمهور لسلاسته وتنميق كلامه وترصيع أجزائه، نسجت العامة من أهل الأمصارعلى منواله، ونظموا في طريقته بلغتهم الحضرية من غير أن يلتزموا فيها إعراباً، واستحدثوا فناً سموه بالزجل”. وكذلك الشأن بالنسبة لفن الملحون عندنا بالمغرب، إذ هو لغة وسطى راقية، عذبة وسلسة، بين فصيح اللغة و دارجها؛ و له مميزاته الخاصة به التي تستثنيه عن غيره من أنواع الزجل، وبالمقابل استخدمها روائيون كبار في إبداعاتهم مثل نجيب محفوظ والطيب صالح ويوسف أبو رية وغيرهم ولم تنتقص أبدا من كتاباتهم العظيمة، بل زادتها جمالا وعمقا وغنى..
ــ “العملية الإبداعية وشروطها”:
 عمليا تخضع العملية الإبداعية لنوع من الغموض وألم المعاناة والهموم والتجارب الحياتية، ومزيج من التراكمات المستوحاة من الخرافات والأحاجي والسير الشعبية.. الألم عينه الذي يصاحب المخاض، مخاض النصوص الكبيرة والعظيمة وسحرها الخارق على إعادة تشكيل وإنتاج التجارب الحياتية وصياغتها بطريقة ماهرة وحرفية وروح متولهة متيتلة لكل ما هو جميل واستثنائي .. وابتكار أسلوب خاص يمهر الإنسان ويميزه، وتصبح جزأ من حياته وتصوراته وتفكيره، هكذا يتورط الإنسان حينما تصيبه لوثة الكتابة كما يسميها البعض.. غابرييل غارسيا ماركيز قال ذات سؤال: “انا لا أصنع شخصياتي لتموت.. أصنعها لتعيش”، تلك وبدون أدنى مواربة هي بعض ملامح الرؤى التي نستضيء بضوئها و نستعين بمخيالها الواسع عن وعي أو عن غير وعي لإعطاء تلك العملية أبعادا معنوية مستوفية لكل شروط الإبداع ولأجل خروج العمل الإبداعي من العتمة إلى النور، معتمدة في ذلك على مختلف المقاييس الفنية والمناهج والمدارس الأدبية واستجلاء أسرار الكون وغموضه وخفاياه.. وهذا ما ينطبق حتما على نصوص من ضمنها “ريثما ” و”حوار سفلي” وقصة “على المرقص”؛ باعتبار أنها وليدة حالات إنسانية قصوى .. ونتاج عالم حالم طافح بالألوان المتأججة، ومخاض متولد عن دفقات شعرية وشعورية نابعة من الحلم والخيال أو التخييل، هذين الأخيرين اللذين يجنح إليهما العقل البشري كلما ضاق بإكراهات الحياة وأوصابها وبالاغتراب الروحي، هكذا تنكتب النصوص رغما عنا بأجسادنا برؤانا للعالم، وبقلوبنا الطافحة بالمحبة والتسامح والصفاء للإنسان والكون حاضره ومستقبله، وبانعكاساتها المشرقة على الروح..
“رَيثَما أعشقُ وَجهَكَ كَوناً ضَعْ حَطَباً بِالْمِدْفَأَةِ وَقَلِّبْ حَبَّاتِ الْكَستناءِ علَى الْمِشْوَاةِ سَأُعِدُّ قهوةً وَإِكْلِيلاً من الْكَرَزِ وشَقَائِقَ نُعْمَان لجلستِنا وحدِيثاً بِعُمْرِ كلِّ الْحِكاياتْ نُضْمِرُ لِلصَّحوِ غَفوةً لِلْحَربِ خُدْعةً وللجَرِيمَةِ إِصْرَارا وَأَثرَا وَ لِخَرِيفِ الْمَعْنَى أَرِيجَ الْهَمَسَاتْ، لِهدوءِ الليلِ صخبَ الْحُبِّ اللاَّيَنْتَهِي ولعتمةِ الأشواقِ نورا وماء.. وصفاءَ سَرِيرَة”.. (من قصيدة: ريثما)..
وما الألوان والأشياء والتهيؤات إلا مؤثثات سردية من كلام ومعاني وبلاغة وحلم وهروب وانفلات من أسر الواقع إلى عالم الخيال الفسيح، حتى ولو تطلب الأمر أن ننقلب على ذواتنا وخداعها للهروب إلى عوالم سفلية متى تعذر السفر إلى عوالم جوانية روحية سامية؛ حيث ينوء الواقع بكلكله و بكل ما أوتي من إكراهات وأعطاب وقسوة وجبروت على النفس، فيستنجذ بالحلم هذه المرة للنبش في الزوايا الخبيئة للروح بحثا عن بقايا أمل لرأب التمزق والاستلاب الروحي وعبثية الذات..” وَ في الْفَجْرِ ما قَبْلَ الأَخيرِ لِلْكَوْنْ، أَنْهَضُ مِنْ تابُوتي أَنْفُضُ عَنِّي غُبارَ الزَّمَنِ السُّفْلِيّ أُفَتِّشُ في الزَّوايَا عَنْ بَقايَا رُفاتِ أَمَلٍ يَتِيمْ ” ( من قصيدة “حوار سفلي”)..
فعدا الحلم والخيال كأهم المصادر الملهمة لي، تتبوأ المعاني الإنسانية السامية بكل أبعادها مكانة كبيرة في كتاباتي، إذ تفعل في النفس ما يفعله الربيع في الأرض البكر، فتحرك في الأعماق كل المشاعر المستبطنة للطبيعة الإنسانية على اختلافها، من حب وفرح وشجون وأحزان وسعادة وجد وهزل وعبث وسخرية.. إلخ، ومن تمة تأتي الصور الفنية والجمالية متتالية منسوجة على هدي من رقة و تشابك وهرمونية.. معززة هذا التواشج القائم على علاقة حميمية بين اللغة والصورة والحلم والخيال والمعنى المتجذر في عمق الكون والطبيعة البشرية، ولربما هذا مقصد وغاية كل من يحمل هم الكتابة في تخليد تلك القيم الانسانية، ليغدو العمل الأدبي في منتهاه كما يقول رولان بارث: “المؤلف ميت والعمل الأدبي خالد”، متحدثا عن موت المؤلف.. و بالنسبة لي أستطيع القول بأن أي كاتب لا يفسر كتاباته إنما يكتب فقط ، والقارئ وحده الكفيل بالحكم على تلك العطاأت بإيجابياتها وسلبياتها.. لأن النصوص الجيدة هي التي كما يقول الشاعر الفرنسي بول فاليري : ” إذا قرأت الكتاب وفهمته فقد قتلته وقضيت عليه”.. من هذا المنطلق يبقى تفسير الظواهر الشعرية أو الأدبية من طرف الكاتب ضربا من التنجيم والرجم بالغيب، لأن ” الكلمة التي تفهمها لا يعول عليها ” بحد تعبير الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي ..
ــ “الخلفية والمرجعيات الأدبية”:
 أعتقد بأن الكاتب لا يكتب من فراغ بل ينطلق دوما من خلفية إبيستيمية، ومن مرجعية سوسيو ثقافية، وتجارب إنسانية محضة، فتتفاعل جميع تلك المدارك التي تتسم برؤى ذاتية وموضوعية تنعكس على نفسيته، أهمها مواقفه من قضايا أمته والعالم المحيط به، وطبعا كان لكل ما أشرت إليه التأثير المباشر لتلك المعارف والفلسفات العربية والغربية، أكاديمية كانت أم لا، بحكم معرفتي بثلاث لغات حية.. وتكويني الأكاديمي الذي يزاوج بين ثقافتين وحضارتين.. تأثير بالغ التأثير في رؤيتي الفنية وتجربتي الإبداعية إن صح لي أن أسميها تواضعا، فجميع أشكال المذاهب الفكرية انطلاقا من الواقع إلى الأسطورة، ومرورا بالمدرسة الرومانسية والشعراء الرمزيين في الأدب الفرنسي إلى الوجودية وما يكتنفها من عبثية وعدمية، إلى السوريالية وتجريديتها المفرطة إلخ.. وكذا الفلسفات بكل صنوفها المثالية والمادية وما تحمله من حساسيات فكرية ومن منطق أيضا.. مرورا أيضا بفلسفة هنري برغسون وبرنارد شو إلى فلسفة نيتشه وهيدغر وشوبنهاور وغيرهم من المفكرين الكبار، هذا الى جانب النظريات النقدية الحداثية وما بعد الحداثية بكل تلاوين طيفها، والفلسفة الشرقية الآسرة المسيدة على القيم الروحية السامية، والإسلامية الروحانية التصوفية على الخصوص، كلها معتقدات أفادت في تكوين نظرة ورؤية لواقع الانسان ومستقبله، وتأتي الصوفية لتعويض الإنسان عن ضياعه الروحي وتشتته الفكري.. الصوفية هي محاولة إدراك توازن نفسي، لأن السلبية في الرؤية لا يستقيم بها وضع الإنسان كإرادة فاعلة متفاعلة في الحياة، ومنها تحليق المتصوف إلى عوالم خارقة ، وفي اعتقادي أن معظم الكتابات العربية غير منفلتة من هذا التصور الصوفي وذلك بالتأثر بأعلامها البارزين، كمحيي الدين بن عربي، والنِّفَّري وابن الجزري والغزالي وغيرهم، والتزود بمعاول النظرة العاشقة للوجود والنهل من النظرة الزاهدة. فرفد الروح بأفكار العظماء الخالدين يقلص من تشظي هذا الإنسان المغترب، لأن ما نراه الآن بعالمنا هو بقايا إنسان ليس غير، مجرد من كل إنسانيته، مشيّأ ومألين ومستلب جراء أفكاره وتنظيراته التي لم تكن تسعى إلى جلب السعادة والطمأنينة والتوازن الروحي والتطلع إلى غد أفضل، وبدل أن تساعده في التحرر من كل ما يقوض إنسانيته ويهدرها، تتحكم بمصيره بشكل مقرف وبشع.. فيتصاعد تبعا لهذا وعي الإنسان وإدراكه لحجم اغترابه.. ولهذا، فالذات الإنسانية والشاعرة، تعاين وتنفعل لما يدور حولها في العالم من جمال وسحر، ومن مواقف إنسانية، ومآسي وحروب وفواجع وآلام، وتتفاعل بكل حمولاتها وخلفياتها، فتكتب لتدون هذا الحضور الذي لم يكن يوما منعزلا عن هموم الإنسان وإحساسه بهذا الوجود.
ــ “تطور الشعر العربي”:
 لقد تطور الشعر العربي الحديث على جميع المستويات من حيث الشكل والمضمون، خارقا قوالب الشعر الكلاسيكية المؤسسة؛ ولعل للمضامين الحالية تأثير هام على أشكال الشعر، وأهم ما يميز الشعر الحديث طابع المرونة التي يستمدها من قوة المشاعر والأفكار التي تعطي الأولوية للإيقاع وللموسيقى الباطنية التي تتحكم بها الدفقة الشعورية، غير آبهة بالروي الذي يحد من حركة تدفق المعاني والمشاعر ويربكها، وغير مهتمة بالقافية، بحيث تكون مسرفة في طولها وتمتد بشكل يغني عن تلك الوقفات المنتظمة التي قد تكون الأبيات الشعرية القصيرة معتمدة عليها. غير أن هذا التطور لا يعفي الشاعر من الإطلاع والإلمام بقوالب الشعر الكلاسيكية وبالتوفر على رصيد لغوي مهم، فلغة الشعر الحديث تربط بين الكلمات بروابط غير متوقعة مما يدهش القارئ ويمتعه، هذه اللغة التي وصفت بالمثالية لابتعادها عن لغة الكلام اليومي، وتحضر هذه اللغة بحدة في شعر أدونيس، عفيفي مطر وصلاح عبد الصبور.. ولاشك أن هذا التطور في مجال الشعر كما في مجالات أدبية أخرى، فرضه تغيير طبيعي شمل جميع الأصعدة، وهذا يدخل في نطاق الذوق الأدبي العام لعصر ما، ونحن جزء من هذا التغيير ولا يمكن إلى أن نسير على خطاه.
ــ “إلى أين وصلتُ في مجال الإبداع”: ما زلت في بداياتي و سأظل في البدايات، لأن ادعاء الوصول إلى مرتبة ما بهذا المجال، لهو ضرب من الجهل و التعلق بالقشور الواهية الزائلة.. لكن كل ما يمكن أن أوصي به لأنه شيء أقوم به فعلا، هو القراءة والبحث المستمر في كل المجالات إن تيسر ذلك، لأن الآداب والفلسفات والعلوم بشقيها، قد تبدو منفصلة ومستقلة لكن في جوهرها متصلة، فنهل العلم عموما يفيد في خلق حمولة معرفية ضرورية تصقل المواهب الأدبية.
ــ “عدم الظهور قناعة شخصية”:
 بغض النظر عن واقع الإقصاء والتهميش المر للطاقات المبدعة ببلدنا، فأنا من النوع الذي لا يحب الظهور كثيرا، لأن ذلك نفسه يعيق العمل الإبداعي بدل أن يشجعه، أو يعطيه مساحة كافية للخلود إلى الذات وتأملاتها ومن ثم للقاء حميمي مع الكتابة..
ــ ” راهنية الأدب النسوي بالمغرب”:
لا أستحب شخصيا هذا التصنيف بين أدب المرأة وأدب الرجل ما دام شرط الأدب متوفرا بالرغم من بعض الخصوصيات الطفيفة، فمنذ القدم كتبت النساء أشعارا وقدن مناظرات وألفت في حقهن العديد من المصنفات، ولم يتم الحديث عن أدبهن بمعزل عن أدب الذكور.. ذلك لأن كل إبداع أدبي يندرج تحت شرط الأدب الإنساني العام الذي لايميز بين امرأة ورجل ، ومن غير الرجوع إلى منتجه أو جنس كاتبه. و لكي لا نطيل الحديث في الأزمنة التي شهدت كتابة وصوت الرجل، وباعتبار أن المرأة صنو الرجل، فالنص الأنثوي شهد تحولات عديدة و تنامى بشكل إيجابي منذ الثمانينات في جميع الأجناس الأدبية، حيث انطلقت المرأة من ذاتها وهمومها لتعانق الذات الإنسانية بعيدا عن رؤية ذاتية لا تتجاوز همومها الشخصية، بحثا عن أفق يعمق نظرتها وتصورها للأشياء، ولهذا فالكتابة النسوية بالمغرب تناولت مواضيع كان الرجل يكتب فيها نيابة عنها، فتحدثت المرأة عن مواضيع منها: حديثها عن جسدها كما ترغب هي وتحس لا كما يرغب الآخر ويحس، بل وعمدت أيضا إلى الحديث عن الرجل، الذي كان يتحدث عنها بالأمس في قصائده وكتاباته دون أن يفسح لها نفس المكانة، و لقد عرف المغرب نقطا مضيئة في هذا المجال حققت طفرة في الكتابة الأدبية الحديثة على يد كوكبة عريضة من الكاتبات والشواعر مثل: خناثة بنونة، وفاء مليح، وفاء العمراني، لطيفة باقا، لطيفة لبصير … إلخ ومع ذلك، فالكتابة النسوية في المغرب ينتظرها الكثير من الوعي والنضج الأدبي الذي ليس بمعزل عن قيام المؤسسات الثقافية والإعلامية بدورها الفعال في تشجيع وإنصاف هذا الصوت في ظل هاورمونيا مع باقي الأصوات التي تؤثث المشهد الأدبي بالمغرب.
ــ “أين أجد نفسي”:
 أرى أن الكتابة انعكاس لرؤانا عن العالم، لم يخالج الذات الفردية من معاناة وما يهم ويشغل الإنسانية بصفة عامة، و لا يمكن أن نكتب إلا إذا استوفت الشروط لذلك، شخصيا، أجد نفسي في كل ما أكتب بدون اسثناء وإلا لما رضيت أن أطلع عليه القراء..
ــ “الشعر والأسطورة”:
 تحضر الأسطورة عموما في الثقافة الشعبية، وقد تم استحضار الاسطورة كنواة في النصوص مع الشعراء الرمزيين مثل اليوت، وويليام وردزورث، وازرا باوند، وسار على هديهم الرواد من شعراء قصيدة الشعر الحر مثل بدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي ونازك الملائكة وصلاح عبد الصبور وبلند الحيدري، ومحمد عبد الحي وشعراء مجلة شعر كون الاسطورة تمثل مكونا من مكونات الفكر الإنساني وانعكاساً للاشعور الجمعي مما يجعل استدعاءها، واستحضارها ضرورة لإعطاء النص الأدبي ذلك العمق المتجذر في المخيال الإنساني، بحيث يستدعي معها فضاءها التخييلي والوجداني ودلالتها الرمزية الموحية في كتابات كل المبدعين تقريبا (جيل الرواد) والمعاصرين منهم، وعلى غرار ذلك، تأتي كل الكتابات حيث يحضر تلميح إلى الأسطورة، غير متصنعة في لجوئها إليها، بقدر ما هو عمل تحتمه الضرورة الأدبية وعمق الرؤية الفنية الجمالية، سواء كان ذلك استعمالا إبداعيا للأسطورة أو استعمالا وظيفيا لها حسب درجة ثقافة الكاتب وموهبته..وقد تزيغ غالبا عن وظيفتها الرمزية والدلالية لتتخذ لنفسها دلالات مغايرة جديدة يبتكرها الشاعر بمنأى عن دلالاتها المعرفية. و قد نكتب لمن يهتم ولمن يجد نفسه في الإبداع الأدبي، بغض النظر عن كتابة تحت الطلب أو تتسم بأسطرة الحدث واللحظة الشعرية..
ــ “لحظة الإبداع”: 
“تهجم” عليّ الكتابة أحيانا كثيرة، حين يكون مصدرها الإلهام، حيث تتملكني حالة شعورية لا أدرك غالبا متى بدأت ولا كيف انتهت أو كيف ستنتهي، وأحيانا أخرى، أذهب إلى الكتابة لأشكل منها ما أحب وما يستوجبه الموضوع الذي أكتب فيه، وهذا يلتزم تهييئا قبليا لجوانب الموضوع وأبعاده جميعا، واشتغالا عليه بكل ما لدينا من تجربة وخبرة لغوية و بلاغية…الخ، بل وأحيانا أخرى تكون للتداعيات الحرة في الكتابة يد في إبداع نصوص رائعة.
ــ “طقوس الكتابة”:
 لا طقوس لدي كي أكتب إلا من احتدام وشدة الرغبة في نفسي على الكتابة. وأذكر هنا قول داود، عليه السلام أنه قال:” يا رب أمرتنى أن أُطَهِّر بدنى بالصوم والصلاة، فبمَ أُطَهِّر قلبى؟ قال: بالغموم والهموم يا داود!” .. وهموم الكتابة والإبداع تطهر الروح الإنسانية من أعطاب مشاكل وهموم الوجود، وهذا فقط ما يدفعنا إلى الكتابة بحثا عن سمو روحي..
ــ “التكريم”: لا أفكر في تكريم أبدا، محتاجين أكثر للتحفيز والتشجيع لأن التكريم يأتي بعد جهد جهيد و بعد بلوغ شأو بعيد في إثراء الحقل الإبداعي الأدبي بمنتوج غني غزير.. حينها فقط نفكر بتكريم من يستحق.
ابريل 2013
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
المختار الافغيري
Admin
avatar

عدد المساهمات : 966
تاريخ التسجيل : 11/10/2012

مُساهمةموضوع: رد: حوار مع الشاعرة والقاصة سعيدة عفيف    الجمعة ديسمبر 20, 2013 3:53 pm

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
سعيدة عفيف
عضو جديد


عدد المساهمات : 10
تاريخ التسجيل : 12/05/2013

مُساهمةموضوع: رد: حوار مع الشاعرة والقاصة سعيدة عفيف    السبت ديسمبر 28, 2013 1:52 pm


وشديدة الامتنان لمرورك المشرق ولتوقيعك الجميل أستاذي المختار الأفغيري.
كما لن أنسى تقديم عميق شكري للأستاذ الأخ الكريم سعيد عفلفال لكريم عنايته..
[/siz

[size=18]
تحياتي الخالصة مع وارف المودة 
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
حوار مع الشاعرة والقاصة سعيدة عفيف
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى ناس مراكش :: الكلام المرصع :: الشعر و النقد-
انتقل الى: